أوراق متناثرة من أنامل ساهرة

أوراق متناثرة من أنامل ساهرة
هي فعلا نبضات ذاك القلب
الذي يعشق اللغة العربية،
وقطرات الجهد الذي تصبب من مسام تلك الأنامل،
لترسم على الصفحات البيضاء أحرفا،
يتشابك بعضها ببعض
ليصنع كلمات تصطف على السطور،
فتنبع منها عبارات تنقل الأفكار
التي كانت سجينة الفكر الحيران .
فقد كنت أجد راحتي وما زلت
عندما تنتشر النجوم على معطف الليل،
كان هذا طبعي منذ نعومة طفولتي،
كان فكري وما يزال
كالنبتة التي تنام نهارا وتصحو ليلا،
كان خيالي ينطلق من ذاتي
ويسبح في فضاءات الظلام
كالكواسر الليلية التي تبحث عن فريستها.
حامد البشير المكي

jeudi 25 août 2016

الأخلاق المفقودة

الأخلاق المفقودة
 
  عند قوله تعالـى :
" الله يصطفـي من الملائكـة رسـلا ومـن الناس"
   نتساءل: ما هي الصفات والخصائص
التي بثها الله سبحانه وتعالى
في هذه الصفوة البشرية من الأخيار
لتكون قادرة على تحمل الرسالة؟
أولا: القرآن الكريم،
ثانيا: السنة النبوية الشريفة،
وهما معا يبينان لنا تلك الصفات والخصائص
التي تحلى بها هؤلاء الرجال
الذين غيروا مسار التاريخ
بمواقفهم الهائلة والرائعة
أمام الجبابرة والطواغيت،
وذلك لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور.
ومن أهم هذه الصفات والخصائص :
الصدق والأمانة والصبر:
وهو الذي تشير إليه الآية الكريمة
في حق رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم:
" وإنك لعلى خلق عظيم"
فكل الأنبياء والرسل الذين سبقوه
لم يوفقوا في إقناع أقوامهم
إلا القلة القليلة
التي تكون في بعض الحالات صفرا،
كما جاء في الأثر،
"يبعث النبي يوم القيامة وما معه رجل واحد".
ومحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم استطاع
بإذن ربه العلي القدير
أن يبني الفرد المسلم أروع بناء
من حيث صفاء العقيدة وحسن الخلق،
كما استطاع بتوفيق من الله أن يخرج أمة الخير
التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
هذه الأمة انتشرت عبر الآفاق في وقت وجيز،
حير علماء التاريخ والحضارات والأديان.
هذه الأمة استطاعت بمشيئة الله الواحد الأحد
أن تبعث كلمة التوحيد في قلوب الناس
الذين أصبحوا يدخلون في دين الله أفواجا.
هذه الأمة التي صنعت عمالقة عظاما
كتبوا بدمائهم الزكية أحداثا رائعة
لا مثيل لها ولا شبيه عند الملاحدة والكفار.
فلماذا تغيرت الحال؟
لماذا هوت هذه الأمة إلى الحضيض؟
لماذا أصبحت أمة المستضعفين؟
أمة الغثاء...أمة القصعة...؟
غاب عنها الصدق...إلا من رحم ربي، وهو قليل غريب!
رحلت عنها الأمانة...إلا من رحم ربي، وهو قليل غريب...!
تصدع فيها الصبر...إلا من رحم ربي، وهو قليل غريب...!
لماذا أصبحت أمة الأمية والجهل،
بعدما كانت أمة القراءة والفهم؟
هذه الأمة التي أتت بفتوحات علمية
لم يسجل التاريخ أمة مثلها،
قدمت نفس الكم والنوع في مجال العلوم والصناعات،
أو في مجال الفنون والآداب والثقافات.
هناك من علماء هذه الأمة ومفكريها سلفا وخلفا،
من حدد الأسباب، مثل:
أن الفتن هي التي عملت على قصم ظهر البعير،
تلك الفتن التي بدأت بالفتنة الكبرى، حسب رأي البعض.
وحسب رأي البعض الآخر، أن أم الفتن بدأت
مع الاختلاف الذي دب بين الصحابة وبين المهاجرين والأنصار،
عند لقائهم في السقيفة،
ولم يدفن الرسول بعد، حسب إحدى الروايات.
ومن بين المفكرين من شبه الأمة بالجواد
الذي ما إن يكبو حتى ينهض من كبوته،
فتحدث عن العواصم من القواصم،
وأن الله سبحانه وتعالى بعدما يبتلي هذه الأمة بقاصمة،
يرحمها بعاصمة،
تجمع شملها من جديد،
على يد رجل أو رجال يكونون على نهج النبوة.
وهناك من رأى أن السبب يكمن في الابتعاد عن السنن الإلهية،
فيكون العقاب على قدر الابتعاد،
ويكون الثواب على قدر الاقتراب
من النهج القويم.
ونحن في هذه العجالة لا نريد أن نعالج القضية في العمق،
ونتناولها بالتنقيب والتحليل والنقد والاستنتاج،
وتقديم الوصفات السحرية التي تمكن الأمة
من النهوض من جديد.
فهي مجرد تأملات في الحياة والمصير،
نعبر بها في هذه العجالة المتواضعة
عما يجيش في قلبنا من لسعة الحال المتدنية
التي نعيشها،
حال الوهن الذي نوجد فيه
ونحن في الدرك الأسفل من بين الأمم،
حال الاستضعاف الشائن،
حيث أصبحنا أمة القصعة
التي أخبرنا عنها الرسول الأكرم.
حال الغربة التي أصبح يعيشها
ذاك الذي ما زال يمتلك مسكة من إيمان،
وبقية من عزة،
ونتفا من مكارم الأخلاق.
ورب قارئ هذه السطور يصفك بالمتشائم،
الذي لا يرى من حوله إلا الظلمة الدامسة.
لا !!! 
ليست المسألة محصورة بين تصورين اثنين:
إما تفاؤل وإما تشاؤم!
ما علينا إلا أن نتحسس واقعنا المعاصر
بشفافية وموضوعية ونزاهة،
بل وكذلك بمراجعة ومساءلة ومحاسبة.
ويحضرني هنا الكتاب الذي ألفه العالم الجليل
الدكتور عبد الله دراز، بعنوان :
" دستور أخلاق القرءان"
والذي هو في الأصل أطروحة جامعية
نال بها شهادة الدكتوراه بامتياز، بجامعة السربون،
أمام لجنة مكونة من كبار المستشرقين آنذاك.
وهذا الكتاب يبرز البعد الأخلاقي والقيمي
الذي ينطوي عليه القرآن الكريم،
هذا البعد الذي، ما إن يدخل الإنسان في دين الله،
ويؤمن به حق الإيمان،
حتى تتساقط رذائله من نفسه
كما تتساقط أوراق الخريف،
وتنبث أوراق خضرة نضرة زكية،
وتتفتق في نفسه أخلاق كريمة نبيلة طاهرة،
تصهره إنسانا آخر لا صلة له مع البيئة الجاهلية،
فينطلق في الآفاق يبني ويشيد 
ما ينفع الناس وما يرضاه إله الناس.
والفكرة الأساس التي يتمحور حولها الكتاب هي:
" لا مسؤولية بدون إلزام، ولا إلزام بدون أخلاق، ولا أخلاق بدون عقيدة"
فأين نحن من هذا كله؟
أين هي الأخلاق التي أشار إليها الشاعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
لقد انتشرت الرذائل بين الناس كالنار في الهشيم،
وانقلبت الموازين
فأصبح المنكر معروفا والمعروف منكرا.
فالأخلاق مثل الصدق والأمانة والصبر
أصبحت أثرا بعد عين.
لقد غابت عن مسرح الحياة،
وطواها الزمن،
وأصبحت في سجل النسيان..
إنها الأخلاق المفقودة
التي بدونها لا يمكن لهذه الأمة أن تستعيد عافيتها. 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire