أوراق متناثرة من أنامل ساهرة

أوراق متناثرة من أنامل ساهرة
هي فعلا نبضات ذاك القلب
الذي يعشق اللغة العربية،
وقطرات الجهد الذي تصبب من مسام تلك الأنامل،
لترسم على الصفحات البيضاء أحرفا،
يتشابك بعضها ببعض
ليصنع كلمات تصطف على السطور،
فتنبع منها عبارات تنقل الأفكار
التي كانت سجينة الفكر الحيران .
فقد كنت أجد راحتي وما زلت
عندما تنتشر النجوم على معطف الليل،
كان هذا طبعي منذ نعومة طفولتي،
كان فكري وما يزال
كالنبتة التي تنام نهارا وتصحو ليلا،
كان خيالي ينطلق من ذاتي
ويسبح في فضاءات الظلام
كالكواسر الليلية التي تبحث عن فريستها.
حامد البشير المكي

samedi 13 août 2016

بين الإعجاب والاعتقاد


بين الإعجاب والاعتقاد

هناك فرق بين الإعجاب والاعتقاد،
إذ أن الإعجاب لا يخضع لتفسير أو تأويل،
وأيضا لا يخضع للمساءلة،
لأنه يتعلق بالجماليات وعالم الفنون والآداب،
فهو عالم الجمال بامتياز،
وعالم الإبداع الذي لا تحده حدود،
ولا تأسره قيود،
بالرغم من محاولات التنظير والتقعيد
التي بذلت وتبذل في شأنه،
وهي ضرورية على مستوى التحليل والنقد والتقييم،
فما شأن هذا الكلام بالأساطير والخرافات؟
أولا : على المرء ألا يعتقد بأن الأساطير والخرافات لها صلة
بالحقيقة مهما قلت أو صغرت،
بل إن الأساطير والخرافات نبعت كلها من بوثقة الظلم والجهل
إنه كان ظلوما جهولا"
ثانيا : لأنها استعانت تارة بالسحر،
وتارة أخرى بالخيال،
لتأخذ بلب البسطاء من الناس.
وبترك مجال الخرافات جانبا،
فإن الأساطير تصنف حسب الأهداف
التي يراد تحقيقها،
وهي على الشكل التالي:
* التاريخ أسطـــــــــورة
* أسطورة البطل الإلـــه
* أسطورة التكويــــــــن
* الأسطورة الطقوسية
* الأسطورة التعليليــة
* الأسطورة الرمزيـــة
كل هذه الأصناف لا يجوز شرعا
أن تؤخذ على محمل الجد،
لأنها من وحي الأوهام المؤسسة لمعتقدات وثنية،
وكيانات باطلة،
والأمثلة عبر التاريخ البشري لا تحصى ولا تعد،
بل قد نجزم بأن معظم الدول
التي تعاقبت على هذه البسيطة،
قد أسست نظمها وقوانينها على الأساطير والخرافات،
والغاية منها أن تستقر في وعي الناس وضمائرهم،
لتصبح بعد ذلك معتقدات تتلى في المعابد
وتقام لها الطقوس
وتقدم لها القرابين.
وكل هذا، ليسهل التحكم في عقول البشر،
فالتجارب برهنت على أن الإنسان يكون طيعا
للأوامر التي تصدر عن عقيدة ما،
يؤمن بها،
ولا ينقاد إلى الأوامر التي تتخذ من السياط والهراوات
وسيلة تنفيذية إخضاعية.
ويمكن على سبيل الاستئناس، أن ندرج بعض الأساطير
التي أسست لوجود كيانين،
سجلا مرورهما عبر التاريخ ببحور من الدماء،
وتركا على وجه الأرض أطلالا
تشهد على جبروتهما واستعبادهما للشعوب،
ثم طوتهما بعد ذلك سنة التداول
التي ليس لها تبديل ولا تحويل
"وتلك الأيام نداولها بين الناس" .
1- الأساطير الإغريقية التي أسست كيان اليونان القديمة،
وفصلتها عن الشرق ومعتقداته.
2- روما وأسطورة الشقيقين روميوس وروميليوس
المجهولي الأبوين واللذين تبنتهما ذئبة في الغاب،
وأرضعتهما، فترعرعا في كنفها،
حتى اشتد عودهما،
فأسسا كيان روما،
وهذا لقطع الصلة مع الإغريق والإ تروسك
وتأسيس كيان مستقل وجودا وعقيدة وتوجها.
إن الاستثناء الوحيد لتأسيس دولة سليمة من الخرافات والأساطير
هو الارتكاز على عقيدة التوحيد.
وإذا أردنا اجتناب الخلط بين التوحيد والشرك،
يجب حصر الأسطورة في حيز ضيق،
وهو المجال الأدبي الذي يوظف الخيال،
ويستأنس بأسلوب نسج الأسطورة،
مثل أسلوب "الحدوثة"،
حيث غالبا ما يدخل هذا الفن في دائرة أدب الطفل
ليساهم في تشويقه وإمتاعه،
بل ربما يهدف إلى زرع بعض القيم والأخلاق في قلبه،
والاحتراز الأهم، هو تجنيب الطفل الاعتقاد
بأن الأسطورة لها علاقة بالحقيقة.
كل الحقوق محفوظة للكاتب
حامد البشير المكي
فبراير 2013

vendredi 12 août 2016

آه سبابتي... يا رفيقة عمري

                    
 آه سبابتي... يا رفيقة عمري

 أتصور أولا، ولا يحرجني هذا التصور، 
أنك كنت تخففين من وحشتي، 
وأنا أسبح داخل رحم أمي،  
أنت يا سبابتي التي كنت تخطين ألغازا 
لا تشعر بها إلا أمي،  
وأول كلمة سطرتها يا سبابتي على جدار قلبها : " أمي" .
 أتصور ثانية، ولا يخجلني أيضا هذا التصور،  
أنني مذ وضعت فمي الصغير على ثدي أمي  
لأغرف منه القطرات الأولى للحياة،  
لمست يا سبابتي ثدي أمي 
وخططت هذه الكلمات : " أحبك يا أمي " 
فهمتها أمي وانحنت علي بحنان ورفق 
وابتسمت وبكت ورفعت عينيها إلى السماء 
ونادت: " يا رب، احفظ صغيري".
 أتصور ثالثة، ولا يقلقني هذا التصور الثالث،   
أنني مذ وضعتني أمي على الأرض، 
لأزحف على بطني, وأكتشف اللين والخشن 
وأميز البارد من الحار، 
وأتعرف على السهل والصعب،   
بدأت يا سبابتي تخطين على سطح الأرض 
خطوطا لا يراها أحد غيري، 
لعلي كنت أرسم وجه أمي 
ليبقى منقوشا على الأرض، 
حتى لا يضيع بين زحمة الأيام. 
وعندما بدأت أمشي متعثرا 
لا تقوى قدماي على الوقوف، 
هرولت لأول مرة نحو الجدار، 
واتكأت عليه هنيهة، 
وأنا ألهث ثم رسمت عليه بسبابتي 
" إني أراك من بعيد يا أمي" 
ابتسمت أمي وسالت دمعة فرح من عينيها، 
لأني بدأت أعتمد على نفسي 
فرفعتني إلى حضنها وضمتني بقوة 
وقالت : " متى أراك رجلا تحمل الكل 
وتعول اليتيم يا ولدي؟".
وعندما بلغت السنة الثالثة من عمري 
حملتني الخالة إلى الكتاب الأول، 
فوضع المعلم بين يدي لوحا، 
وأخذ بسبابتي اليمنى وقال لي : 
"حاول أن تمرر سبابتك على تلك الخطوط 
المسطورة على اللوح يا بني!".   
لم أفهم وقتها من كلامه ما يرمز إليه،   
فشد يدي ومررها بهدوء ورقة 
على الخطوط البنية اللون، 
وقال : "هكذا يا بني"   
فنظرت إلى تلك الخطوط الغريبة التي لم أفهمها، 
ولعلها هي أيضا لم تفهمني، 
واكتفيت بتمرير سبابتي على اللوح، 
فنادتني الخطوط مبتسمة: 
"أهلا بك في عالم القراءة يا صغيري...
لا تخف... 
فأنا الحروف... 
سوف تستأنس بي مع الأيام، 
سأفتح لك آفاقا جميلة لست على علم بها". 
لم أفهم ما كانت تعنيه، 
لكن عندما قال لي المعلم:   
"لا تترك السبابة تتجول حرة على اللوح, 
حاول أن تسيرها هكذا يا صغيري على هذه الحروف، 
أفهمت؟
هكذا بهدوء". 
قلت في نفسي: "لعلني فهمت". 
فوضعت سبابتي من جديد على بداية الحرف الأول من اليمين، 
ورمقت أن المعلم يراقبني,
حركت بناني على السكة، 
هبوطا... ثم طلوعا... فاستدارة، 
ثم نظرت إلى المعلم فرأيته يبتسم، 
بل ويمسح بيده على رأسي برفق، 
شعرت وقتها أن نشوة نفذت من رأس سبابتي، 
وسرت عبر كل يدي اليمنى، 
حتى اجتاحت كل جسدي. 
منذ ذلك الحين، ربطت سبابتي علاقة ود وصداقة 
مع الحروف المسطورة على اللوح.   
ومرت الأيام على هذه الحال، 
أروض سبابتي على السير على الحروف، 
لا تحيد عنها يمنة ولا يسرة، 
لئلا تسقط في الهاوية، 
ثم بدأ المعلم يدربني على النطق بكل حرف على حدة، 
يقول: ألف... وأردد: ألف، 
يقول: باء... وأردد: باء، 
وهكذا...إلى حرف الياء. 
هذا الحرف الأخير في الأبجدية العربية 
الذي لم أبلغ مداه إلا بشق النفس.
وبعد أيام، بل وربما أسابيع،   
تدربت تدريجيا على النطق بالحرف 
بمجرد أن أشير إليه بسبابتي،  
لكن لم أكن أعرف ما الألف ولا الباء... 
كنت أنطق كما تنطق الببغاء، 
إلا أن الببغاء لم تكن تتحمل عناء الإشارة بالسبابة، 
ورغم هذه المعاناة، 
كانت الرحلة التعليمية ممتعة 
خصوصا بعد تعرفي على أقراني 
في الكتاب القرآني 
على اختلاف أعمارهم، 
وسحناتهم، وقاماتهم، وسلوكياتهم.
 ثم شرعت في حفظ الفاتحة عن ظهر قلب 
دون أن أميز بين كلماتها، 
كنت أكتفي بتمرير سبابتي على حروفها 
المسطورة على اللوح، 
من بداية الحرف الأول إلى نهاية الحرف الأخير، 
كان المعلم يعي أنني لا أقرأ الكلمات، 
كان يقول:" لكل أجل كتاب، والعجلة من الشيطان." 
انتقلت إلى كتاب قرآني آخر، 
عند معلم آخر كنت أجده أكبر سنا من المعلم الأول، 
كانت له لحية شديدة البياض، 
وكان ضريرا لا يبصر، 
كان لدى هذا المعلم الضرير أربعة تلاميذ كبار 
يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب، 
يساعدونه على ضبط التلاميذ الصغار مثلي، 
وهم الذين يدربوننا على القراءة والكتابة، تحت إشراف المعلم.   
كان التعليم ينحصر في محورين اثنين :
1- محور  مخارج الحروف والنطق بها نطقا سليما، 
ثم تحميل القرآن الكريم،   
يبدأ بالسور القصيرة، 
وبالتحديد: الحزب الستون حسب مصحف ورش.
2 - محور الكتابة وفق الرسم العثماني:
 فكان التلميذ الصغير يتعلم كيف يمحو بالماء 
ما كتب على اللوح، 
ثم كيف يعرض هذا الأخير لأشعة الشمس 
ليجف من الماء، 
ثم كيف يطليه بالصلصال الممزوج بالماء، 
ويعرضه ثانية ليجف.  
 ثم يأخذ أحد مساعدي المعلم اللوح 
ويكتب عليه مجموع الآيات القرآنية المحددة 
بواسطة قلم من قصب، 
وهذه الكتابة بدون مداد تسمى "التحناش" 
وهي الطريقة التي يجب على التلميذ الصغير أن يتبعها، 
لكن هذه المرة بالقلم المغموس في المداد، 
إنها عملية توارثتها الأجيال طيلة قرون، 
والشاهد أن يدي الصغيرة النحيلة 
كانت في البداية تجد صعوبة في التمكن من القلم 
لكي لا يزيغ عن "التحناش"، 
الأمر الذي يؤدي إلى عقاب بدني.   
وكما يقال: "الآلة امتداد للجهاز"، 
فأصبح القلم جزءا لا يتجزأ من سبابتي . 
كل الحقوق محفوظة للكاتب
حامد البشير المكي
فبراير 2013

jeudi 11 août 2016

الأمس البعيد

الأمس البعيد

عندما استيقظت قبل الفجر بلحظات قلائل،
لم تكن الطيور قد غادرت أوكارها وأعشاشها بعد،
ولم تكن النجوم قد أعدت حقائبها للرحيل،
خرجت من البيت والأهل نيام،
وخرجت من الحي والبيوت في سبات عميق
إلا من بعض القطط التي كانت تبحث عن آخر صيد من الفئران
التي تغامر بالخروج لعلها هي الأخرى تعثر على قوت آخر الليل.
مررت بإدريس "البيات" وهو مستلق على ظهره،
وشخيره المرتفع دليل على عمق رقاده،
ابتعدت عن الحي متجها إلى بوابة دكالة
حيث انتقلت إلى خارج المدينة العتيقة،
فالتقيت بقافلة من الباعة الذين يأتون من الضواحي
ومعهم حميرهم محملة بالخضر
من طماطم وجزر وقثاء وبطاطس وفلفل وغيرها،
قصد بيعها في أسواق الخضر التي تقع بالقرب من أسوار المدينة،
اقتربت من المسجد الأهلي لسيدي أبى النور بضاحية المدينة،
لأن أذان الفجر وشيك.
وقفت بباب المسجد
إذ فعلا شرع المؤذن في النداء أن حي على الصلاة،
فوقفت بجانبي جماعة من المصلين
من بينهم إبراهيم النجار الذي يعمل خارج المدينة
في معمل للنجارة بالقرب من محطة القطار.
دخلنا المسجد،
فصليت ركعتي الفجر،
وجلست أردد بعض الأدعية،
ثم صلينا صلاة الصبح وراء الإمام
الفقيه صالح المنتدب للإمامة في المسجد،
ثم غادرته متجها نحو الورش الذي يعمل فيه أبي بصفته رئيسا.
بدأت الطيور تغادر أوكارها
وبدأت النجوم تجمع حقائبها الواحدة تلو الأخرى،
وبدأت بشائر الشمس تظهر على أديم السماء.
فالفصل فصل شتاء،
إلا أن السماء لم تكن غائمة،
ولا شيء يشير إلى أن المطر قادم من جهة الغرب،
إلا أن الطقس بارد،
وشعرت بالبرودة أكثر لأنني ما زلت صفر البطن
منذ مساء البارحة،
فدخلت الورش وسألت عن المعلم أين هو،
و"المعلم" هو اللقب الذي يعرف به أبي في الورش،
وحتى في أغلب فضاءات المدينة.
دخلت المكتب الصغير المصنوع من ألواح خشبية،
وسقفه من صفائح معدنية للوقاية من المطر،
فرأيت المعلم متكئا على طاولة الرسم،
وعلى سطحها تصاميم تتعلق بأشغال الورش،
رأيته وفي يده قلم رصاص،
وعلى عينيه نظارتان لتحسين الإبصار.
وعلى الطاولة كذلك رزمة من التصاميم،
ودفتر متوسط الحجم،
يدون فيه المعلم المعلومات التي تساعده
على إدارة وتدبير الورش،
وبجانب المعلم مساعدان،
كل واحد منهما يحمل على عاتقه مسؤولية قسم من أقسام الورش.
وقفت على بعد متر تقريبا من الجانب الأيسر للطاولة،
وعلى زاوية تسمح لي أن يلحظني المعلم،
ولا يجوز لي أن أتكلم والمعلم يعطي الشروحات للمساعدين،
ولكن شعرت بأن المعلم قد لمحني
وعرف أني وصلت إلى الورش قبل انطلاق الأشغال.
لو وصلت بعد بداية الأشغال لكانت الصاعقة تنزل بأم رأسي،
لأن المعلم لا يقبل أن يأتي مستخدم متأخرا
ولو بدقيقة بعد الانطلاقة.
وهو الذي يصل دائما إلى العمل قبل أي كان.
التفت إلي المعلم مبتسما وأشار إلي أن أرافقه خارج المكتب،
كان على يمينه المعلم عباس المسؤول عن أشغال الخرسانة
وعن شماله المعلم حسن المسؤول عن أشغال الصلب والحديد،
فأشار إلى حارس الورش أن يدق ناقوس انطلاقة الأشغال،
كان العمال واقفين على شكل صفوف متراصة،
كل صف يرأسه ضابط صف:
مجموعة الحفر وإعداد الأسس،
مجموعة معالجة الحديد وصناعة الهياكل،
مجموعة معالجة الخشب وصناعة الصناديق،
مجموعة معالجة الخرسانة،
مجموعة الأدوات والآلات،
مجموعة الصيانة وتفريغ الورش من الزوائد والأتربة.
كان المعلم يمشي ويتفحص كل مجموعة على حدة،
وكان هذا ديدنه كل صباح قبل الشروع في العمل إذ كان يقول:
إتقان الأشغال تبدأ بضبط الانطلاقة.
كان يخرج من الصف كل عامل يبدو عليه أثر التعب أو المرض،
لأنه يعتبره عاملا غير قادر على القيام بمهمته،
يؤثر سلبا على سير الأشغال،
وذلك بعد عملية مراقبة لياقة العمال.
أعطى المعلم أمره لانطلاقة العمل الفعلي
وتابع دورته داخل الورش،
حيث أعطى تعليماته الخاصة بكل قسم من أقسام الورش،
وكان يقول للمعني بالإنجاز:
هل فهمت؟
أليس هناك من سؤال؟
وخلال دورته كان ينظر إلي بعين المراقب المتتبع
ويسألني:
المدرسة شيء جميل لها فوائدها،
فالعلم نور،
والعلم علمان:
علم نظري وهو ما تحصل عليه في المدرسة،
وعلم عملي وهو ما تحصل عليه في المعامل والأوراش،
ولا قيمة للعلم النظري في غياب العلم العملي،
واسترسل في التو لتطبيق هذه القاعدة،
وأوعز إلي أن آخذ مطرقة وأقوم بمعالجة حجر
وأضعه على جدار،
أدخلني حيز الإنجاز فأنجزت الأمر،
إذ عالجت الحجر ووضعته في الموضع المناسب،
ولم تكن هذه أول مرة أقوم بهذه العملية،
بل عودت نفسي أن أكون دائما على أعلى استعداد
لتلقي التعليمات من المعلم.
وإن ابتسامة المعلم إشارة إلى أنه مطمئن للتدريب
الذي أتابعه تحت نظره،
وكانت تبدو على وجه المعلميـن عباس وحسن علامة الارتياح
لأن ابن المعلم ماش على خطى أبيه بتدرج مناسب،
كنت دائما أقترب من المساعدين
لأستفيد منهما قدر الإمكان
خصوصا إذا كان المعلم خارج الورش لسبب من الأسباب.
أطلت شمس الضحى من بين غيمتين كانتا تتحركان نحو الأطلس،
ودق ناقوس التوقف عن العمل لتناول وجبة الإفطار،
جلس المعلم على لوحة خشبية موضوعة على حجرين كبيرين.
وأمام هذه اللوحة مائدة مركبة من أجزاء
يسهل فصلها بسرعة عن المائدة،
وأكواب زجاجية،
وإبريق معدني يتصاعد منه بخار الشاي بالنعناع،
وبجانب الإناء رغائف من الخبز
وصحن من السمن وصحن آخر من الزيتون.
تناولنا طعام الإفطار ثم غسلنا أيدينا بالماء والصابون
ثم التحقنا بالعمل ثانية،
وبقينا ننتقل من مكان إلى آخر داخل الورش
حتى الساعة الواحدة بعد الزوال تقريبا،
فقد حل وقت صلاة الظهر،
أمر المعلم بوقف الأشغال لأداء الصلاة.
أذن أحد العمال، وكان صوته رخيما مؤثرا،
ثم أم المعلم بنا الصلاة.
وبعد أدائها توجهنا إلى مائدة الطعام
حيث تناولنا ما كتب الله لانا من طعام وشراب.
كان المعلم يقيل بعد تناول طعام الغذاء،
فاستلقى على صف من أكياس الإسمنت
ثم أسلم نفسه للنوم،
دامت القيلولة بضع دقائق
ثم استيقظ وغسل وجهه ويديه
ثم التحق بمكتبه،
رافقت المعلم عباس ولم أفارقه حتى صلاة العصر.
صلينا العصر جماعة بإمامة المعلم حسن.
ثم رافقت المعلم حسن في جولته حتى المساء.
فدق ناقوس نهاية الأشغال،
وقام العمال بوضع أدوات العمل في مكانها المناسب،
وقامت فرقة الصيانة بتنظيف الورش،
ثم بدأت عملية غسل الوجوه والأطراف
لأن المعلم كان يمنع أن يغادر عامل من العمال الورش
وعليه أثر الغبار.
غادر العمال الورش وبقي المعلم مع مساعديه،
حيث قدم لهما برنامج الغد
ثم ركب دراجته النارية وأشار إلي أن أركب معـه.
غادرنا الورش، وفي طريقنا إلى البيت،
دخلنا مسجد البوابة حيث أدينا صـلاة المغرب ثم التحقنا بالبيت،
حيث ينتظرنا الأهل.
سلمت على أمي وعمتي وخالتي
وتناولنا طعام العشاء، المكون من الأرز وشيء من اللبن الساخن،
خرجت مع أبي إلى مسجد الحي لأداء صلاة العشاء
ثم بعدها رجعنا إلى البيت للنوم،
إذ أن الغد ينتظرنا لإنجاز وصلة أخرى من العمل في الورش.
هذا اليوم هو نموذج من أيام العطلة الشتوية
التي كنت أقضيها برفقة أبي في عمله،
ولقد أثرت هذه التجربة في مساري المهني والاجتماعي،
إنه الأمس البعيد من حيث دقات الزمان،
لكنه القريب من حيث دقات الوجدان.
كل الحقوق محفوظة للكاتب
حامد البشير المكي
فبراير 2013