آه سبابتي... يا رفيقة عمري
أتصور أولا، ولا يحرجني هذا التصور،
أنك كنت
تخففين من وحشتي،
وأنا أسبح داخل رحم أمي،
أنت يا سبابتي التي
كنت تخطين ألغازا
لا تشعر بها إلا أمي،
وأول كلمة سطرتها يا سبابتي على جدار
قلبها : " أمي" .
أتصور ثانية، ولا يخجلني أيضا هذا التصور،
أنني مذ وضعت
فمي الصغير على ثدي أمي
لأغرف منه القطرات الأولى للحياة،
لمست يا سبابتي
ثدي أمي
وخططت هذه الكلمات : " أحبك يا أمي "
فهمتها أمي وانحنت علي
بحنان ورفق
وابتسمت وبكت ورفعت عينيها إلى السماء
ونادت: " يا رب، احفظ
صغيري".
أتصور ثالثة، ولا يقلقني هذا التصور الثالث،
أنني مذ وضعتني أمي على الأرض،
لأزحف على بطني, وأكتشف
اللين والخشن
وأميز البارد من الحار،
وأتعرف على السهل والصعب،
بدأت يا سبابتي تخطين على سطح الأرض
خطوطا لا
يراها أحد غيري،
لعلي كنت أرسم وجه أمي
ليبقى منقوشا على الأرض،
حتى لا يضيع بين
زحمة الأيام.
وعندما بدأت أمشي متعثرا
لا تقوى قدماي على الوقوف،
هرولت لأول مرة
نحو الجدار،
واتكأت عليه هنيهة،
وأنا ألهث ثم رسمت عليه بسبابتي
" إني أراك
من بعيد يا أمي"
ابتسمت أمي وسالت دمعة فرح من عينيها،
لأني بدأت أعتمد على
نفسي
فرفعتني إلى حضنها وضمتني بقوة
وقالت : " متى أراك رجلا تحمل الكل
وتعول
اليتيم يا ولدي؟".
وعندما بلغت السنة الثالثة من عمري
حملتني الخالة إلى الكتاب الأول،
فوضع المعلم بين يدي لوحا،
وأخذ بسبابتي اليمنى وقال لي :
"حاول أن تمرر
سبابتك على تلك الخطوط
المسطورة على اللوح يا بني!".
لم أفهم وقتها من كلامه ما يرمز إليه،
فشد يدي ومررها بهدوء ورقة
على الخطوط البنية
اللون،
وقال : "هكذا يا بني"
فنظرت
إلى تلك الخطوط الغريبة التي لم أفهمها،
ولعلها هي أيضا لم تفهمني،
واكتفيت بتمرير
سبابتي على اللوح،
فنادتني الخطوط مبتسمة:
"أهلا بك في عالم القراءة يا صغيري...
لا
تخف...
فأنا الحروف...
سوف تستأنس بي مع الأيام،
سأفتح لك آفاقا جميلة لست على علم
بها".
لم أفهم ما كانت تعنيه،
لكن عندما قال لي المعلم:
"لا تترك السبابة تتجول حرة على اللوح,
حاول
أن تسيرها هكذا يا صغيري على هذه الحروف،
أفهمت؟
هكذا بهدوء".
قلت في نفسي: "لعلني
فهمت".
فوضعت سبابتي من جديد على بداية الحرف الأول من اليمين،
ورمقت أن المعلم
يراقبني,
حركت بناني على السكة،
هبوطا... ثم طلوعا... فاستدارة،
ثم نظرت إلى المعلم
فرأيته يبتسم،
بل ويمسح بيده على رأسي برفق،
شعرت وقتها أن نشوة نفذت من رأس
سبابتي،
وسرت عبر كل يدي اليمنى،
حتى اجتاحت كل جسدي.
منذ ذلك الحين، ربطت سبابتي
علاقة ود وصداقة
مع الحروف المسطورة على اللوح.
ومرت
الأيام على هذه الحال،
أروض سبابتي على السير على الحروف،
لا تحيد عنها يمنة ولا
يسرة،
لئلا تسقط في الهاوية،
ثم بدأ المعلم يدربني على النطق بكل حرف على حدة،
يقول:
ألف... وأردد: ألف،
يقول: باء... وأردد: باء،
وهكذا...إلى حرف الياء.
هذا الحرف
الأخير في الأبجدية العربية
الذي لم أبلغ مداه إلا بشق النفس.
وبعد أيام، بل وربما
أسابيع،
تدربت تدريجيا
على النطق بالحرف
بمجرد أن أشير إليه بسبابتي،
لكن لم أكن
أعرف ما الألف ولا الباء...
كنت أنطق كما تنطق الببغاء،
إلا أن الببغاء لم تكن
تتحمل عناء الإشارة بالسبابة،
ورغم هذه المعاناة،
كانت الرحلة التعليمية ممتعة
خصوصا بعد تعرفي على أقراني
في الكتاب القرآني
على اختلاف أعمارهم،
وسحناتهم،
وقاماتهم، وسلوكياتهم.
ثم
شرعت في حفظ الفاتحة عن ظهر قلب
دون أن أميز بين كلماتها،
كنت أكتفي بتمرير سبابتي
على حروفها
المسطورة على اللوح،
من بداية الحرف الأول إلى نهاية الحرف الأخير،
كان
المعلم يعي أنني لا أقرأ الكلمات،
كان يقول:" لكل أجل كتاب، والعجلة من
الشيطان."
انتقلت إلى كتاب قرآني آخر،
عند معلم آخر كنت أجده أكبر سنا من
المعلم الأول،
كانت له لحية شديدة البياض،
وكان ضريرا لا يبصر،
كان لدى هذا المعلم
الضرير أربعة تلاميذ كبار
يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب،
يساعدونه على ضبط
التلاميذ الصغار مثلي،
وهم الذين يدربوننا على القراءة والكتابة، تحت إشراف المعلم.
كان
التعليم ينحصر في محورين اثنين :
1- محور مخارج الحروف والنطق بها نطقا سليما،
ثم تحميل
القرآن الكريم،
يبدأ بالسور القصيرة،
وبالتحديد: الحزب الستون حسب مصحف ورش.
2 - محور الكتابة
وفق الرسم العثماني:
فكان التلميذ الصغير يتعلم كيف يمحو بالماء
ما
كتب على اللوح،
ثم كيف يعرض هذا الأخير لأشعة الشمس
ليجف من الماء،
ثم كيف يطليه
بالصلصال الممزوج بالماء،
ويعرضه ثانية ليجف.
ثم يأخذ أحد مساعدي المعلم اللوح
ويكتب عليه مجموع الآيات القرآنية المحددة
بواسطة قلم من قصب،
وهذه الكتابة بدون مداد تسمى "التحناش"
وهي الطريقة التي
يجب على التلميذ الصغير أن يتبعها،
لكن هذه المرة بالقلم المغموس في المداد،
إنها
عملية توارثتها الأجيال طيلة قرون،
والشاهد أن يدي الصغيرة النحيلة
كانت في
البداية تجد صعوبة في التمكن من القلم
لكي لا يزيغ عن "التحناش"،
الأمر الذي
يؤدي إلى عقاب بدني.
وكما يقال: "الآلة
امتداد للجهاز"،
فأصبح القلم جزءا لا يتجزأ من سبابتي .
كل الحقوق محفوظة للكاتب
حامد البشير المكي
فبراير 2013
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire