موعد مع الفجر أو قيمة الاستيقاظ مبكرا
كان أبي رحمه الله يقول لي
إذا أردت الدنيا فاستيقظ لها مبكرا،
وإذا أردت الآخرة فاستيقظ لها مبكرا،
وإذا أردت الاثنين معا فاستيقظ لهما مبكرا،
ولم يكن أبي وقتها يكتفي بالقول فقط،
بل كان يربطه بالفعل،
فكان دائما يستيقظ قبل الفجر بقليل،
فيتوضأ ويلبس ثيابه ويذهب إلى المسجد
ليصلي مع الجماعة صلاة الفجر،
ثم يعود إلى البيت
فيجد أمي قد أعدت له طعام الإفطار،
فيتناول بعضا منه
ثم يخرج من البيت متجها إلى مكان عمله.
وبالمناسبة، فقد كان أبي يمارس مهنة البناء،
وهي مهنة تخضع لأعراف التبكير ودقة التوقيت،
كنت وقتها في طفولتي الأولى،
ورغم حداثة سني كان أبي يخاطبني
مخاطبة الكبار مع شيء من اللين والدعابة
لكي لا أشعر بصلابة كلامه وخشونته،
كان يشدني إليه بنظرته الثاقبة
وابتسامته الناعمة،
الأمر الذي عودني أن أرتاح إلى أحاديثه،
وأحن إليها وقت غيابه عن البيت.
كان في بعض الأحيان يوقظني معه
فأتوضأ أمامه،
وكلما أخطأت في وضوئي كان يصحح خطئي
ثم يأخذني معه إلى المسجد
حيث كنت أصطف مع بعض الأطفال
خلف صفوف الكبار.
منذ تلك المرحلة من عمري،
تعودت على أن أستيقظ مبكرا،
وأن أغادر فراشي دون كسل أو تراخ،
وكنت من التلاميذ الأوائل الذين يصلون إلى المدرسة
وبابها ما زال مغلقا
لم يؤذن بعد بفتحه للدخول إلى الساحة.
لم تسجل علي المدرسة ولو دقيقة تأخر عن الدرس،
علما بأنني كنت أذهب إليها راجلا
في بداية رحلتي الدراسية،
وبعدها اشترى لي أبي دراجة
كانت تساعدني على ربح الوقت،
وفي مرحلة متأخرة،
كنت أذهب مع بعض أقراني إلى المدرسة
عبر طريق أطول مسافة
لنكتشف فضاءات أخرى،
وكان هذا الاستطلاع يسعدنا ويطربنا،
كم مرة كنا نمر بساحة جامع الفناء
المشهورة عالميا من الناحية السياحية
نظرا لما تشتمل عليه من عروض فولكلورية،
كنا نعبرها في الصباح الباكر
حين تكون خالية من كل مظهر
من مظاهر النشاط الفولكلوري،
باستثناء النشاط التجاري
حيث الطعام والشراب اللذان يتناولهما المارة
كإفطار قبل ذهابهم إلى أعمالهم،
إما داخل السوق التقليدية
أو الحوانيت المحيطة بالساحة،
أو إلى أبعد مسافة من ذلك.
كان هذا ديدن كل أقراني تقريبا
إلا النادر الذي كان يصل متأخرا إلى الصف،
فكان يتلقى العقاب اللازم
إما على يد الحارس العام،
أو على يد المعلم.
فعندما أقارن بين ما كان عليه الحال أيام طفولتي
وما هو عليه الواقع حاليا،
ألاحظ أن التلاميذ الذين يستيقظون مبكرا
ويصلون إلى باب المدرسة قبل الرنة الأولى للجرس،
أو في أسوأ الأحوال قبل الرنة الثانية
التي تعلن الدخول إلى الصف،
هم أقل عددا من هؤلاء الذين يجدون صعوبة
في مغادرة السرير الوثير الناعم،
الذي يغازلهم ألا يتركوه
وحيدا خاليا باردا
يرتعش من الفراق،
فأتساءل في نفسي :
" لماذا هذا التهاون في التعود على النهوض
من السرير مبكرا
وأداء صلاة الفجر
التي قال عنها الحق سبحانه وتعالى:
"وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا"
هل الخلل في الطفل؟
أم الخلل في البيت؟
لأنه مسؤول عن تربية الطفل على هذا المنحى،
أي أن يتعود على التبكير.
ثم بالله عليك
كيف لك أن تطلب من التلميذ
أن يستيقظ مبكرا وهو لم ينم مبكرا،
لأنه كان مع الأهل يتابعون حلقة تلفزيونية
أو شريطا سينمائيا أو مباراة في كرة القدم أو لهوا آخر.
كيف تريد من التلميذ أن يكون قادرا على التركيز
أثناء الحصة الدراسية
وهو لم ينم إلا سويعات قلائل،
وتجد أن مدة النوم النافع لم تتعد إلا دقائق،
وكيف يمكن أن تطلب من التلميذ
أن يكون في راحة نفسية أثناء الصف
وهو لم يتناول طعام إفطاره،
لأنه لم يجد من يعده له،
أين هي الأم؟
لقد تركت المهمة إلى الخادمة،
وما أدراك ما الخادمة،
ففاقد الشيء لا يعطيه.
إن هناك من التلاميذ من يلتحق بالمدرسة
دون أن يغسل أطرافه،
فتجد الشيء الفلاني لاصقا بعينيه
وأذنيه ومنخريه
وربما عالقا بأسنانه،
يا للهول! ..
ولو تجرأت وفاتحت الأم في هذا الأمر
فستتهمك بأنك أهنتها
وهاجمت حرمتها،
أما إذا توجهت إلى الأب
فستلمس أنه في عطلة بيتية مفتوحة.
وقد يرى البعض أنني أبالغ في تشخيص الداء،
نعم هذا صحيح
والمبالغة مقصودة،
أبالغ لعلني أجد آذانا صاغية،
وأعينا مبصرة،
وقلوبا واعية،
ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
حامد البشير المكي
كان أبي رحمه الله يقول لي
إذا أردت الدنيا فاستيقظ لها مبكرا،
وإذا أردت الآخرة فاستيقظ لها مبكرا،
وإذا أردت الاثنين معا فاستيقظ لهما مبكرا،
ولم يكن أبي وقتها يكتفي بالقول فقط،
بل كان يربطه بالفعل،
فكان دائما يستيقظ قبل الفجر بقليل،
فيتوضأ ويلبس ثيابه ويذهب إلى المسجد
ليصلي مع الجماعة صلاة الفجر،
ثم يعود إلى البيت
فيجد أمي قد أعدت له طعام الإفطار،
فيتناول بعضا منه
ثم يخرج من البيت متجها إلى مكان عمله.
وبالمناسبة، فقد كان أبي يمارس مهنة البناء،
وهي مهنة تخضع لأعراف التبكير ودقة التوقيت،
كنت وقتها في طفولتي الأولى،
ورغم حداثة سني كان أبي يخاطبني
مخاطبة الكبار مع شيء من اللين والدعابة
لكي لا أشعر بصلابة كلامه وخشونته،
كان يشدني إليه بنظرته الثاقبة
وابتسامته الناعمة،
الأمر الذي عودني أن أرتاح إلى أحاديثه،
وأحن إليها وقت غيابه عن البيت.
كان في بعض الأحيان يوقظني معه
فأتوضأ أمامه،
وكلما أخطأت في وضوئي كان يصحح خطئي
ثم يأخذني معه إلى المسجد
حيث كنت أصطف مع بعض الأطفال
خلف صفوف الكبار.
منذ تلك المرحلة من عمري،
تعودت على أن أستيقظ مبكرا،
وأن أغادر فراشي دون كسل أو تراخ،
وكنت من التلاميذ الأوائل الذين يصلون إلى المدرسة
وبابها ما زال مغلقا
لم يؤذن بعد بفتحه للدخول إلى الساحة.
لم تسجل علي المدرسة ولو دقيقة تأخر عن الدرس،
علما بأنني كنت أذهب إليها راجلا
في بداية رحلتي الدراسية،
وبعدها اشترى لي أبي دراجة
كانت تساعدني على ربح الوقت،
وفي مرحلة متأخرة،
كنت أذهب مع بعض أقراني إلى المدرسة
عبر طريق أطول مسافة
لنكتشف فضاءات أخرى،
وكان هذا الاستطلاع يسعدنا ويطربنا،
كم مرة كنا نمر بساحة جامع الفناء
المشهورة عالميا من الناحية السياحية
نظرا لما تشتمل عليه من عروض فولكلورية،
كنا نعبرها في الصباح الباكر
حين تكون خالية من كل مظهر
من مظاهر النشاط الفولكلوري،
باستثناء النشاط التجاري
حيث الطعام والشراب اللذان يتناولهما المارة
كإفطار قبل ذهابهم إلى أعمالهم،
إما داخل السوق التقليدية
أو الحوانيت المحيطة بالساحة،
أو إلى أبعد مسافة من ذلك.
كان هذا ديدن كل أقراني تقريبا
إلا النادر الذي كان يصل متأخرا إلى الصف،
فكان يتلقى العقاب اللازم
إما على يد الحارس العام،
أو على يد المعلم.
فعندما أقارن بين ما كان عليه الحال أيام طفولتي
وما هو عليه الواقع حاليا،
ألاحظ أن التلاميذ الذين يستيقظون مبكرا
ويصلون إلى باب المدرسة قبل الرنة الأولى للجرس،
أو في أسوأ الأحوال قبل الرنة الثانية
التي تعلن الدخول إلى الصف،
هم أقل عددا من هؤلاء الذين يجدون صعوبة
في مغادرة السرير الوثير الناعم،
الذي يغازلهم ألا يتركوه
وحيدا خاليا باردا
يرتعش من الفراق،
فأتساءل في نفسي :
" لماذا هذا التهاون في التعود على النهوض
من السرير مبكرا
وأداء صلاة الفجر
التي قال عنها الحق سبحانه وتعالى:
"وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا"
هل الخلل في الطفل؟
أم الخلل في البيت؟
لأنه مسؤول عن تربية الطفل على هذا المنحى،
أي أن يتعود على التبكير.
ثم بالله عليك
كيف لك أن تطلب من التلميذ
أن يستيقظ مبكرا وهو لم ينم مبكرا،
لأنه كان مع الأهل يتابعون حلقة تلفزيونية
أو شريطا سينمائيا أو مباراة في كرة القدم أو لهوا آخر.
كيف تريد من التلميذ أن يكون قادرا على التركيز
أثناء الحصة الدراسية
وهو لم ينم إلا سويعات قلائل،
وتجد أن مدة النوم النافع لم تتعد إلا دقائق،
وكيف يمكن أن تطلب من التلميذ
أن يكون في راحة نفسية أثناء الصف
وهو لم يتناول طعام إفطاره،
لأنه لم يجد من يعده له،
أين هي الأم؟
لقد تركت المهمة إلى الخادمة،
وما أدراك ما الخادمة،
ففاقد الشيء لا يعطيه.
إن هناك من التلاميذ من يلتحق بالمدرسة
دون أن يغسل أطرافه،
فتجد الشيء الفلاني لاصقا بعينيه
وأذنيه ومنخريه
وربما عالقا بأسنانه،
يا للهول! ..
ولو تجرأت وفاتحت الأم في هذا الأمر
فستتهمك بأنك أهنتها
وهاجمت حرمتها،
أما إذا توجهت إلى الأب
فستلمس أنه في عطلة بيتية مفتوحة.
وقد يرى البعض أنني أبالغ في تشخيص الداء،
نعم هذا صحيح
والمبالغة مقصودة،
أبالغ لعلني أجد آذانا صاغية،
وأعينا مبصرة،
وقلوبا واعية،
ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
حامد البشير المكي
فبراير 2013
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire